العيني
237
عمدة القاري
وفصاحة ولكنه لم يشرح الله صدره للإسلام . ( سنَسْتَدْرِجُهُمْ ) أيْ نأتِيهِمْ مِنْ مأمَنِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى : * ( فأتاهُمُ الله منْ حَيْث لمْ يَحْتَسِبُوا ) * أشار به إلى قوله تعالى : * ( والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) * ( الأعراف : 182 ) وفسر قوله : سنستدرجهم ، بقوله : نأتيهم من ما منهم ، أي : من موضع أمنهم ، وأصل الاستدراج التقريب منزلة من الدرج لأن الصاعد يترقى درجة درجة . قوله : كقوله تعالى : * ( فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ) * ( الحشر : 2 ) وجه التشبيه فيه هو أخذ الله إياهم بغتة ، كما قال في آية أخرى : * ( حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة ) * ( الأنعام : 44 ) . مِنْ جِنَّةٍ مِنْ جُنُونٍ أشار به إلى قوله تعالى : * ( أو لم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة ) * ( الأعراف : 184 ) ثم قال : من جنون ، وكانوا يقولون : محمد شاعر أو مجنون ، والمراد بالصاحب هو محمد عليه الصلاة والسلام . فمَرَّتْ بِهِ فاسْتَمَرَّ بهَا الحمْلُ فأتَمَّتْهُ لم يقع هذا في رواية أبي ذر ، وتقدم هذا في أول كتاب الأنبياء ، وأشار به إلى قوله تعالى : * ( فلما تغشاها حملت حملاً خفيفاً فمرت به ) * ( الأعراف : 189 ) وفسر قوله : فمرت به ، بقوله : فاستمر بها الحمل فأتمته ، والضمير في قوله : فمرت ، يرجع إلى حواء عليها السلام ، لأن قبل هذا قوله تعالى : * ( هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ) * الآية . وأراد بالنفس الواحدة آدم عليه السلام ، وأراد بقوله : زوجها ، حواء عليها السلام ، وفي التفسير : اختلفوا في معنى قوله : فمرت ، فقال مجاهد : استمرت بحمله ، وكذا روي عن الحسن والنخعي والسدي ، وقال ميمون بن مهران عن أبيه : استخفته ، وقال قتادة : استبان حملها ، وقال العوفي عن ابن عباس : استمرت به فشكَّت أحبلت أم لا . يَنْزَغَنَّكَ يَسْتَخِفنَّكَ أشار به إلى قوله تعالى : * ( وأما ينزغنك من الشيطان نزغ ) * ( الأعراف : 200 ) الآية . وفسر ينزغنك بقوله : يستخفنك ، وكذا فسره أبو عبيدة ، وقال ابن جرير في معنى هذا : وأما يغضبنك من الشيطان غضب يصدك عن الإعراض عن الجاهل ويحملك على مجازاته فاستعذ بالله ، أي : فاستجر بالله . طَيْفٌ مُلِمٌّ بِهِ لَمَمٌ ويُقالُ طائِفٌ وهْوَ واحِدٌ أشار به إلى قوله تعالى : * ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طيف من الشيطان ) * وفسر قوله : طيف بقوله : ملم به لمم ، وقال أبو عبيدة : طيف أي لمم ، واللمم يطلق على ضرب من الجنون وعلى صغار الذنوب ، وفي التفسير : منهم من فسر ذلك بالغضب ، ومنهم من فسره بمس الشيطان بالصرع ونحوه ، ومنهم من فسره بالهم بالذنب ، ومنهم من فسره بإصابة الذنب . قوله : ( ويقال طائف ) أشار به إلى أن طيفاً وطائفاً واحد في المعنى ، وهما قراءتان مشهورتان . يَمُدُّونَهُمْ يُزَيِّنُونَ أشار به إلى قوله تعالى : * ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون ) * ( الأعراف : 202 ) وفسر يمدونهم بقوله : ( يزينون ) ، وقال أبو عبيدة : أي يزينون لهم الغي والكفر . وخِيفَةً خَوْفاً وخُفْيَةً مِنَ الإِخْفاءِ أشار بقوله خيفة إلى قوله تعالى : * ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ) * ( الأعراف : 205 ) وفسر قوله : ( خيفة ) ، بقوله : ( خوفاً ) ، وكذا فسره أبو عبيدة ، ويقال : * ( اذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ) * أي : رغبة ورهبة وأشار بقوله وخيفة إلى قوله : ( واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة ) وأي : سراً . قوله : ( من الإخفاء ) أراد به أن الخفية مأخوذة من الإخفاء وفيه تأمل ، لأن القاعدة أن المزيد فيه يكون مشتقاً من الثلاثي دون العكس ، ولكن يمكن أن يوجه كلامه باعتبار انتظام اشتقاق الصيغتين في معنى واحد .